التكوين المستمر ودعم كفايات التنشيط التربوي .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التكوين المستمر ودعم كفايات التنشيط التربوي .

مُساهمة من طرف أم ياسر في الأحد سبتمبر 09 2007, 11:54

التكوين المستمر ودعم كفايات التنشيط التربوي
(البعد الوظيفي والمنهجي وتعدد المداخل البيداغوجية)2/1
فائزة السباعي*


لطالما ارتكز نمط التعليم التقليدي على محدودية التنشيط، وأسلوب الإرسال الأحادي الاتجاه، مما شكل السمة الغالبة لوظيفة التدريس لعقود طويلة من الزمن، مع اهتمام الطرائق بالأساس بإشكال إنجاز المقررات وتبليغ المادة المعرفية، وتفكيكها ميكانيكيا إلى سلوكات إجرائية هادفة، قابلة للملاحظة والقياس.

إن واقع تهميش التلميذ في ظل هذه الممارسات البيداغوجية التقليدية، وعدم اعتبار مؤهلاته ورغباته العاطفية، لصالح تراكم المعرفة، التي أعطيت لها الأهمية القصوى في المناهج الكلاسيكية، أفضى إلى تكوين نشء متشبع بثقافة السلطوية والتلقي السلبي، والتواكل على الغير، والتهيب من المسؤولية...

كبديل عن التدريس الهادف المغرق في النـزعة السلوكية، شكل مدخل بيداغوجيا التدريس بالكفايات الجوهر في التوجهات الإصلاحية التي تعرفها مناهج التعليم ببلادنا، كاختيار استراتيجي وظيفي يعيد المكانة المقدسة للتلميذ، كمركز رئيسي تتمحور حوله كل الاهتمامات المرتبطة بالفعل التربوي، في جميع امتداداته وتفاعلاته الإشعاعية والثقافية والإنتاجية والإبداعية.

«ينطلق إصلاح نظام التربية والتكوين من جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية...»(عن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص: 10)

«تسعى المدرسة المغربية الوطنية الجديدة إلى أن تكون مفعمة بالحياة، تفضل نهجا تربويا نشيطا، يجاوز التلقي السلبي، والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار، والمشاركة في الاجتهاد الجماعي...»(عن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص: 11)

تفعيلا لفلسفة الإصلاح المنبثقة عن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أصبحت بيداغوجيا التدريس بمدخل الكفايات، تقتضي إعادة النظر في أساليب التنشيط، وتتطلب من المدرسين اكتساب كفايات مهنية جديدة، لكون بيداغوجيا التنشيط أصبحت مقاربة ضرورية موازية وحيوية لتفعيل الأنشطة التربوية، وأضحت أسسها المنهجية ذات بعد وظيفي وتنظيمي، ينبني على مبدأ التعددية في المقاربات البيداغوجية، ويفسح المجال أمام التلميذ لاتخاذ المبادرة والتفتح عبر التواصل الفعال مع جماعة الفصل...

1. كفايات التنشيط التربوي في علاقتها بأساليب التدبير ونشاط التواصل ومهام القيادة التربوية في الفضاء الصفي:

تقتضي مهمة تدبير جماعة الفصل، تحريك ديناميتها في اتجاه خلق تفاعلات إيجابية، تمنح فرصا حقيقية مبنية على مبدأ التشارك والانسجام والمساواة بين كل أعضائها، والانصهار في العمل الجماعي، حيث أصبح المدرس موجها لأنشطة فريق العمل، الذي يسعى بإمكاناته الذاتية إلى تطوير مهاراته وخبراته، وبالتالي إغناء شتى كفاياته عند بناء جميع ضروب المعرفة الإنسانية.

إن مجال التدبير ككل، يعتبر المدرسة منظومة إنتاجية ومقاولاتية في عمق توجهاتها الوظيفية، تنبني على الاستثمار والإنتاج والمردودية... بذلك، تشكل وحدة إنتاجية، يكون فيها المتعلمون المادة الخام، تسخر لهم إمكانيات مادية ومعنوية جبارة على المستوى التربوي والثقافي والفكري والاجتماعي، بغية إفراز وتكوين أجيال متعلمة في مستوى تطلعات وانتظارات المجتمع.

بناء عليه، يرتبط كل من مفهوم الجودة ومعاييرها، في مجال التدبير البيداغوجي لجماعة الفصل، بشروط ومقاييس موضوعية ذات طبيعةلوجيستيكية ترتبط بنوعية البنية المؤسساتية وجماليتها، ورونقها وتجهيزاتها المادية: من خزانات ومكتبات ووسائل ديداكتيكية للإيضاح... هذا، بجانب اعتبارات بنيوية وهيكلية أخرى: كعدد المتمدرسين في الفصول والمحيط السوسيو- ثقافي للمؤسسة المدرسية...

كما ترتبط أيضا، بشروط ومقاييس تربوية ومهنية، تتمركز حول شخصية المدرس نفسه، وكفاءاته المهنية والتربوية، ومدى تحكمه في أساليب تدبير جماعة الفصل، وطريقته في اختيار آليات عمله البيداغوجية، وطرائقه في التنشيط وطبيعتها، ومدى إيمانه بضرورة نسج علاقات تواصل ديمقراطية مع تلامذته، إلى جانب مدى تشبعه بثقافة التفتح، وقدرته على تأهيلهم بشكل حقيقي للإبداع وإثبات الذات، مع الاعتناء بميولاتهم واهتماماتهم... إنها مهام، كما تبدو معقدة ومتداخلة، وهي عند تحليلها، تؤكد على تموقع كفايات التنشيط في طليعة أدوار المدرس. إنها مهام جسيمة، تجعل منه القائد التربوي على رأس جماعة العمل، يوجه نشاطها لتحقيق أهداف مصاغة بدقة عند بداية كل نشاط تربوي.

إن السلوك القيادي التربوي، يتأسس انطلاقا من عدة اعتبارات ومبادئ متداخلة أهمها

§ المبادأة:قدرة القائد التربوي على وضع وتنفيذ الخطط التربوية الكفيلة بإنجاز جميع الأنشطة التربوية المشتقة من الكفايات المسطرة في المنهاج، في ظل العمل بروح الفريق.

§ التمثيلية لأعضاء جماعة فصله:حماية المتعلمين والدفاع عن مصالحهم في علاقة مع الإدارة وأولياء الأمور، وجميع المعنيين بالعملية التربوية في المجتمع المدني...

§ التكامل بين أعضاء جماعة الفصل:التدخل للحد من النـزاعات والخلافات، بترسيخ ثقافة القبول بالاختلاف والتعارض والتعايش في البيئة الفصلية.

§ التنظيم:توجيه مهام الجماعة بشكل مهيكل، مع تنسيق العلاقات داخلها لإنجاز التعلمات.

§ السيطرة:الحسم في القرارات الكبرى والمواقف الحساسة، وتحديد طرائق العمل ونوع آليات التواصل، وأهداف الأنشطة التربوية والمدة الزمنية الكفيلة بإنجازها.

بذلك، تتجسر الروابط بين كفايات التنشيط التربوي والقيادة التربوية وأساليب التدبير التربوي، كما يستحيل فصلها عن نشاط التواصل في عمقه الوظيفي والنفعي في الممارسات البيداغوجية. إن التواصل مفاهيميا، يعني تداول الأخبار والمعرفة قصد التبليغ والنشر والإطلاع لفائدة شخص ما، أو مجموعة معينة من الأشخاص. في حين يعتبر تربويا، آلية حية ذات دينامية دائمة ومسترسلة، متنوعة الأساليب، موجهة نحو المتعلم، لتسهيل نسج علاقات تفاعل إيجابية معه، من أجل تحقيق المعرفة وبنائها واكتساب آلياتها. كما تتعدد وسائل وأنماط التواصل التعبيري، بين كلامية وشفهية وحس – حركية، يتم إرسالها من عضو مرسل إلى آخر متلق، بواسطة شفرة إرسالية (الترميز)، على مدى إيقاع زمني معين. بذلك، ترتبطكفايات التنشيط -في إطار مقاربة تواصلية- بعدة شروط تربوية، أهمها: تدفق وتيرة الإيقاع (البطء، الكثافة، السرعة)، وحركية المدرس داخل الصفوف، ومدى جاذبية شخصيته، ومؤهلاته الجسمية، وكفاءاته المهنية: (كنبرات الصوت، ودرجة انسجامه العاطفي مع مهنته والمتعلمين، وطريقته في الكتابة، وقدرته اللغوية على الصياغة والربط والتواصل، وإيماءاته ومدى تحكمه في المادة المعرفية...).

2. موقع كفايات التنشيط في أنماط القيادة التربوية واتجاهات التواصل:

تتنوع أنماط القيادة التربوية المرتبطة بنشاط تدبير جماعة الفصل، وتنشيط سيرورة التعلمات، على الشكل التالي:

üالنمط التقليدي السلطوي:يقوم على مبدأ تقديس القائد التربوي وطاعته، والنهل من حمولته بدون نقاش، كنموذج يعكس على المستوى السيكولوجي السلطة الأبوية. كما تتوقف كافة أعمال المجموعة على شخص القائد، كقطب تتمحور حوله كل الاهتمامات. لهذا النمط عواقب نفسية وخيمة: على رأسها الذوبان في الآخر، وتحطم الشعور بالكيان الشخصي، وفقدان الثقة بالنفس، والخنوع والتبعية للآخر، والشعور بانعدام الاستقلالية عند اتخاذ القرارات... إنها جماعة مهددة بالانحلال في آية لحظة، قد يغيب فيها القائد أو توجيهاته السلطوية.

يندرج ضمن هذا النموذج، نمط القائد الجذاب المتميز بشخصية ذات جاذبية خارقة غير اعتيادية، تبعث على الاحترام والهيبة، ذات إشعاع وتأثير هائلين.

في المقابل، يوجد النمط العقلاني، يستمد سلطويته من الالتزام بالتطبيق المطلق للتعليمات والقوانين الداخلية للمؤسسة، ومضامين المناهج والكتب المدرسية والتشريعات، مع فرض عقوبات زجرية في حق مخالفيها. بذلك، يكون نموذجا قياديا يستمد سلطته خارج إمكاناته الذاتية. من عواقب هذا النمط، العمل في جو الدقة والزجر، والخوف من العقاب، وسيادة الحذر والحيطة...

üالنمط الديمقراطي:يفوض مهمة اتخاذ القرارات النهائية إلى جماعة العمل، ويأخذ بالرأي السائد فيها. من آلياته: أسلوب الإقناع والتوعية، والحوار المفتوح، والاختيار اللامشروط، واحترام الرأي الآخر في التفاعلات الإنسانية وتجاذباتها العلائقية... بذلك، يسود جو الشعور بالطمأنينة والاستقرار والتناغم، مما يشبع حاجة الكل، ويحرك دينامية الجماعة بشكل إيجابي.

üالنمط اللامبالي التراسلي:يتسم باللامبالاة، إذ يقتصر القائد التربوي على إرسال المعلومات إلى المتعلمين، تاركا الفرصة الكاملة لهم لتداولها في إطار حياد تام، دون توجيههم أو إرشادهم، مما يكرس لديهم شعورا حقيقيا بالضياع والإهمال لانعدام التحفيز والعناية، إلى جانب الشعور باحتقار قائدهم وعدم الاكتراث بتعليقاته المحدودة، وتدخلاته السطحية. يولد هذا النموذج، الشعور بانخفاض الروح المعنوية الجماعية، ويعمل على تردي وشائج الثقة بينها وبين قائدها.

يتضح من خلال تداول هذه الأنماط، كون النمط الديمقراطي هو الأكثر تناسبا مع بيداغوجيا التدريس بالكفايات، كنموذج مثالي كفيل بتكوين متعلم ذو سحنة بيداغوجية قابلة للتأهيل في المستقبل للمواطنة المسؤولة، الواعية بالحقوق والواجبات داخل النسيج الاجتماعي...

إن كفايات التنشيط التربوي، ترتبط كذلك إلى جانب نمط القيادة التربوية، باتجاهات التواصل التي تنبني طبيعتها على التنوع:

üالتواصل من الأعلى إلى الأسفل:يراهن على تدفق المعلومات في دينامية عمودية أحادية، من القائد التربوي في اتجاه التلاميذ، ويتطابق مع طبيعة التعليم الإلقائي.

üالتواصل من الأسفل إلى الأعلى:من أعضاء جماعة الفصل في اتجاه الأستاذ، يتطلب تحلي هذا الأخير بالصبر والتفهم، والتشبع بسلوك الإنصات، وتقبل الرأي الآخر بصدر رحب... إنه تواصل يعطي فرصا حقيقية للتلاقح وتكوين اتجاهات فكرية ناضجة...

üالتواصل الدائري (الأفقي):يسمح بتدفق المعلومات بين أعضاء مجموعة الفصل في دينامية دائرية، مما يولد أفكارا متنوعة وإنتاجات ثقافية، يصبح فيها التلاميذ هم المنتجون الرئيسيون للتعلمات والمعرفة، بفعل التجاذب والتفاعل والتحاور الداخلي بين أفراد الجماعة، تحت إشراف المدرس وتوجيهه.

بذلك، تتبنى أساليب التنشيط الديمقراطية، اتجاهي التواصل الأخيرين، لمرونتهما ولجعلهما المتعلم – بشكل حقيقي واقعي- في صلب وقاعدة الممارسات التربوية الفصلية المتداولة يوميا.

يتبع..............................

أم ياسر
عضو فعال
عضو فعال

انثى
عدد الرسائل: 65
العمر: 35
تاريخ التسجيل: 20/08/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yakamo.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى